إنّ أعلم الناس بالله أرضاهم بقضاء الله عزّ وجلّ.
منزلة الرضا
رأس الطاعة، وأعلى درجات اليقين
الصبر والرضا عن الله رأس طاعة الله، ومَن صبر ورضي عن الله فيما قضى عليه فيما أحبّ أو كره، لم يقضِ الله عزّ وجلّ له فيما أحبّ أو كره إلّا ما هو خيرٌ له.
رأس طاعة الله الرضا بما صنع الله فيما أحبّ العبد وفيما كره، ولم يصنع الله بعبدٍ شيئاً إلّا وهو خيرٌ له.
رأس طاعة الله الصبر والرضا عن الله فيما أحبّ العبد أو كره، ولا يرضى عبدٌ عن الله فيما أحبّ أو كره إلّا كان خيراً له فيما أحبّ أو كره.
الزهد عشرة أجزاء: أعلى درجة الزهد أدنى درجة الورع، وأعلى درجة الورع أدنى درجة اليقين، وأعلى درجة اليقين أدنى درجة الرضا.
كلّ قضاءٍ خيرٌ للمؤمن
الله أعلم بما يصلح عبده، في الغنى والفقر والصحّة والسقم
عجبتُ للمرء المسلم، لا يقضي الله عزّ وجلّ له قضاءً إلّا كان خيراً له، وإن قُرِّض بالمقاريض كان خيراً له، وإن ملك مشارق الأرض ومغاربها كان خيراً له.
يا موسى بن عمران، ما خلقتُ خلقاً أحبّ إليّ من عبدي المؤمن، فإنّي إنّما أبتليه لما هو خيرٌ له، وأعافيه لما هو خيرٌ له، وأزوي عنه ما هو شرٌّ له لما هو خيرٌ له، وأنا أعلم بما يصلح عليه عبدي، فليصبر على بلائي، وليشكر نعمائي، وليرضَ بقضائي، أكتبه في الصدّيقين عندي إذا عمل برضائي وأطاع أمري.
قال الله عزّ وجلّ: إنّ من عبادي المؤمنين عباداً لا يصلح لهم أمر دينهم إلّا بالغنى والسعة والصحّة في البدن، فأبلوهم بالغنى والسعة وصحّة البدن فيصلح عليهم أمر دينهم، وإنّ من عبادي المؤمنين لَعباداً لا يصلح لهم أمر دينهم إلّا بالفاقة والمسكنة والسقم في أبدانهم، فأبلوهم بالفاقة والمسكنة والسقم فيصلح عليهم أمر دينهم، وأنا أعلم بما يصلح عليه أمر دين عبادي المؤمنين. وإنّ من عبادي المؤمنين لَمَن يجتهد في عبادتي، فيقوم من رقاده ولذيذ وساده فيتهجّد لي الليالي، فيُتعب نفسه في عبادتي، فأضربه بالنعاس الليلة والليلتين نظراً منّي له وإبقاءً عليه، فينام حتى يصبح، فيقوم وهو ماقتٌ لنفسه زارٍ عليها، ولو أُخلّي بينه وبين ما يريد من عبادتي لدخله العجب من ذلك، فيصيّره العجب إلى الفتنة بأعماله، فيأتيه من ذلك ما فيه هلاكه، لعجبه بأعماله ورضاه عن نفسه، حتى يظنّ أنّه قد فاق العابدين وجاز في عبادته حدّ التقصير، فيتباعد منّي عند ذلك وهو يظنّ أنّه يتقرّب إليّ. فلا يتّكل العاملون على أعمالهم التي يعملونها لثوابي، فإنّهم لو اجتهدوا وأتعبوا أنفسهم وأفنوا أعمارهم في عبادتي كانوا مقصّرين غير بالغين في عبادتهم كُنه عبادتي فيما يطلبون عندي من كرامتي والنعيم في جنّاتي ورفيع درجاتي العُلى في جواري، ولكن فبرحمتي فليثقوا، وبفضلي فليفرحوا، وإلى حسن الظنّ بي فليطمئنّوا، فإنّ رحمتي عند ذلك تداركهم، ومنّي يبلغهم رضواني، ومغفرتي تُلبسهم عفوي، فإنّي أنا الله الرحمن الرحيم، وبذلك تسمّيت.
قال الله عزّ وجلّ: عبدي المؤمن لا أصرفه في شيءٍ إلّا جعلته خيراً له، فليرضَ بقضائي، وليصبر على بلائي، وليشكر نعمائي، أكتبه يا محمّد من الصدّيقين عندي.
ضحك رسول الله (ص) ذات يومٍ حتى بدت نواجذه، ثمّ قال: ألا تسألوني ممّ ضحكت؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: عجبتُ للمرء المسلم، أنّه ليس من قضاءٍ يقضيه الله عزّ وجلّ له إلّا كان خيراً له في عاقبة أمره.
التسليم وترك الاتّهام
لا يُتّهم الله في قضائه، ولا يُستبطأ في رزقه
ينبغي لمَن عقل عن الله أن لا يستبطئه في رزقه، ولا يتّهمه في قضائه.
أحقّ خلق الله أن يُسلّم لما قضى الله عزّ وجلّ مَن عرف الله عزّ وجلّ، ومَن رضي بالقضاء أتى عليه القضاء وعظّم الله أجره، ومَن سخط القضاء مضى عليه القضاء وأحبط الله أجره.
قلت له: بأيّ شيءٍ يعلم المؤمن بأنّه مؤمن؟ قال: بالتسليم لله، والرضا فيما ورد عليه من سرورٍ أو سخط.
لم يكن رسول الله (ص) يقول لشيءٍ قد مضى: لو كان غيره.
قال الله جلّ جلاله: يا ابن آدم، أطعني فيما أمرتك، ولا تُعلّمني ما يُصلحك.
جاع رسول الله (ص) جوعاً شديداً، فأتى الكعبة فتعلّق بأستارها فقال: ربَّ محمّدٍ، لا تُجِع محمّداً أكثر ممّا أجعته. قال: فهبط جبرئيل (ع) ومعه لوزة، فقال: يا محمّد، إنّ الله جلّ جلاله يقرأ عليك السلام. فقال: يا جبرئيل، الله السلام، ومنه السلام، وإليه يعود السلام. فقال: إنّ الله يأمرك أن تفكّ عن هذه اللوزة، ففكّ عنها فإذا فيها ورقةٌ خضراء نضرة مكتوبٌ عليها: لا إله إلّا الله، محمّدٌ رسول الله، أيّدتُ محمّداً بعليٍّ ونصرته به، ما أنصف اللهَ من نفسه مَن اتّهم الله في قضائه، واستبطأه في رزقه.
الرضا بالقسمة
الرضا بما رزق الله، وترك السخط على النصيب
لقي الحسن بن علي (ع) عبد الله بن جعفر فقال: يا عبد الله، كيف يكون المؤمن مؤمناً وهو يسخط قِسمه، ويُحقّر منزلته، والحاكم عليه الله؟! وأنا الضامن لمَن لم يهجس في قلبه إلّا الرضا أن يدعو الله فيُستجاب له.
إنّ موسى بن عمران (ع) قال: يا ربّ، رضيتُ بما قضيت، تُميت الكبير، وتُبقي الطفل الصغير. فقال الله جلّ جلاله: يا موسى، أما ترضاني لهم رازقاً وكفيلاً؟ قال: بلى يا ربّ، فنعم الوكيل أنت، ونعم الكفيل.
الدنيا دُوَل، فما كان لك منها أتاك على ضعفك، وما كان عليك لم تدفعه بقوّتك، ومَن انقطع رجاؤه ممّا فات استراح بدنه، ومَن رضي بما رزقه الله قرّت عينه.
التوكّل والتفويض
من توكّل على الله رضي بما يفعله به
أيّما عبدٍ أقبل قِبَل ما يحبّ الله عزّ وجلّ أقبل الله قِبَل ما يحبّ، ومَن اعتصم بالله عصمه الله، ومَن أقبل الله قِبَله وعصمه لم يُبالِ لو سقطت السماء على الأرض، أو كانت نازلةٌ نزلت على أهل الأرض فشملتهم بليّة، كان في حزب الله بالتقوى من كلّ بليّة، أليس الله عزّ وجلّ يقول: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾.
سألته عن قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ فقال: التوكّل على الله درجات، منها أن تتوكّل على الله في أمورك كلّها، فما فعل بك كنتَ عنه راضياً، تعلم أنّه لا يألوك خيراً وفضلاً، وتعلم أنّ الحكم في ذلك له، فتوكّل على الله بتفويض ذلك إليه، وثِق به فيها وفي غيرها.
خرجتُ حتى انتهيت إلى هذا الحائط فاتّكأت عليه، فإذا رجلٌ عليه ثوبان أبيضان ينظر في تجاه وجهي، ثمّ قال: يا علي بن الحسين، ما لي أراك كئيباً حزيناً؟ أعلى الدنيا؟ فرزق الله حاضرٌ للبرّ والفاجر. قلت: ما على هذا أحزن، وإنّه لكما تقول. قال: فعلى الآخرة؟ فوعدٌ صادق يحكم فيه ملكٌ قاهر، أو قال: قادر. قلت: ما على هذا أحزن، وإنّه لكما تقول. فقال: ممّ حزنك؟ قلت: ممّا نتخوّف من فتنة ابن الزبير وما فيه الناس. قال: فضحك، ثمّ قال: يا علي بن الحسين، هل رأيت أحداً دعا الله فلم يُجبه؟ قلت: لا. قال: فهل رأيت أحداً توكّل على الله فلم يكفه؟ قلت: لا. قال: فهل رأيت أحداً سأل الله فلم يُعطه؟ قلت: لا. ثمّ غاب عنّي.
لا توجد روايات بهذه التصفية. اختر مصدراً آخر أو «كل الأبواب».