يأتي يوم القيامة شيءٌ مثل الكُبّة، فيدفع في ظهر المؤمن فيُدخله الجنّة، فيُقال: هذا البرّ.
منزلة البرّ وثوابه
من أفضل الأعمال، ولا رخصة في تركه
قلت: أيّ الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة لوقتها، وبرّ الوالدين، والجهاد في سبيل الله.
كن بارّاً واقتصر على الجنّة، وإن كنت عاقّاً فظّاً فاقتصر على النار.
ثلاثٌ لم يجعل الله عزّ وجلّ لأحدٍ فيهنّ رخصة: أداء الأمانة إلى البرّ والفاجر، والوفاء بالعهد للبرّ والفاجر، وبرّ الوالدين برّين كانا أو فاجرين.
فوق كلّ ذي برٍّ برٌّ حتى يُقتل الرجل في سبيل الله، فليس فوقه برّ، وإنّ فوق كلّ عقوقٍ عقوقاً حتى يقتل الرجل أحد والديه، فإذا فعل ذلك فليس فوقه عقوق.
أربعٌ مَن كنّ فيه من المؤمنين أسكنه الله في أعلى علّيّين، في غرفٍ فوق غرف، في محلّ الشرف كلّ الشرف: مَن آوى اليتيم ونظر له فكان له أباً، ومَن رحم الضعيف وأعانه وكفاه، ومَن أنفق على والديه ورفق بهما وبرّهما ولم يحزنهما، ومَن لم يخرق بمملوكه وأعانه على ما يكلّفه ولم يستسعه فيما لم يطق.
مَن أحبّ أن يخفّف الله عزّ وجلّ عنه سكرات الموت فليكن لقرابته وصولاً، وبوالديه بارّاً، فإذا كان كذلك هوّن الله عليه سكرات الموت، ولم يصبه في حياته فقرٌ أبداً.
بينا موسى بن عمران يناجي ربّه عزّ وجلّ إذ رأى رجلاً تحت ظلّ عرش الله عزّ وجلّ، فقال: يا ربّ، مَن هذا الذي قد أظلّه عرشك؟ فقال: هذا كان بارّاً بوالديه، ولم يمشِ بالنميمة.
برّوا آباءكم يبرّكم أبناؤكم، وعِفّوا عن نساء الناس تعفّ نساؤكم.
حقّ الأمّ والأب
تقديم الأمّ في البرّ، وما للأب من الحقّ
وأمّا حقّ أمّك فأن تعلم أنّها حملتك حيث لا يحتمل أحدٌ أحداً، وأعطتك من ثمرة قلبها ما لا يعطي أحدٌ أحداً، ووقتك بجميع جوارحها، ولم تبالِ أن تجوع وتطعمك، وتعطش وتسقيك، وتعرى وتكسوك، وتضحى وتظلّك، وتهجر النوم لأجلك، ووقتك الحرّ والبرد لتكون لها، فإنّك لا تطيق شكرها إلّا بعون الله وتوفيقه. وأمّا حقّ أبيك فأن تعلم أنّه أصلك، وأنّه لولاه لم تكن، فمهما رأيت في نفسك ممّا يعجبك فاعلم أنّ أباك أصل النعمة عليك فيه، فاحمد الله واشكره على قدر ذلك، ولا قوّة إلّا بالله.
جاء رجلٌ إلى النبيّ (ص) فقال: يا رسول الله، مَن أبرّ؟ قال: أمّك. قال: ثمّ مَن؟ قال: أمّك. قال: ثمّ مَن؟ قال: أمّك. قال: ثمّ مَن؟ قال: أباك.
قال موسى بن عمران (ع): يا ربّ أوصني، قال: أوصيك بي. فقال: يا ربّ أوصني، قال: أوصيك بي (ثلاثاً). فقال: يا ربّ أوصني، قال: أوصيك بأمّك. قال: يا ربّ أوصني، قال: أوصيك بأمّك. قال: أوصني، قال: أوصيك بأبيك. قال: فكان يُقال لأجل ذلك: إنّ للأمّ ثلثي البرّ، وللأب الثلث.
جاء رجلٌ إلى النبيّ (ص) فقال: إنّي ولدتُ بنتاً وربّيتها، حتى إذا بلغت فألبستها وحلّيتها، ثمّ جئت بها إلى قليبٍ فدفعتها في جوفه، وكان آخر ما سمعت منها وهي تقول: يا أبتاه! فما كفّارة ذلك؟ قال: ألك أمٌّ حيّة؟ قال: لا. قال: فلك خالةٌ حيّة؟ قال: نعم. قال: فابررها، فإنّها بمنزلة الأمّ، تكفّر عنك ما صنعت. قال أبو خديجة: فقلت لأبي عبد الله (ع): متى كان هذا؟ قال: كان في الجاهلية، وكانوا يقتلون البنات مخافة أن يُسبين فيلدن في قومٍ آخرين.
صور البرّ وآدابه
حسن الصحبة، والتوقير، والخدمة، والإيناس
سألت أبا عبد الله (ع) عن قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ ما هذا الإحسان؟ فقال: الإحسان أن تُحسن صحبتهما، وأن لا تكلّفهما أن يسألاك شيئاً ممّا يحتاجان إليه وإن كانا مستغنيين، أليس يقول الله عزّ وجلّ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾؟ ثمّ قال: وأمّا قول الله عزّ وجلّ: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ قال: إن أضجراك فلا تقل لهما أفّ، ولا تنهرهما إن ضرباك. قال: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ قال: إن ضرباك فقل لهما: غفر الله لكما، فذلك منك قولٌ كريم. قال: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ قال: لا تملأ عينيك من النظر إليهما إلّا برحمةٍ ورقّة، ولا ترفع صوتك فوق أصواتهما، ولا يدك فوق أيديهما، ولا تقدّم قدّامهما.
سأل رجلٌ رسول الله (ص): ما حقّ الوالد على ولده؟ قال: لا يسمّيه باسمه، ولا يمشي بين يديه، ولا يجلس قبله، ولا يستسبّ له.
إنّ رجلاً أتى النبيّ (ص) فقال: يا رسول الله، أوصني، فقال: لا تشرك بالله شيئاً وإن حُرّقت بالنار وعُذّبت إلّا وقلبك مطمئنٌّ بالإيمان، ووالديك فأطعهما وبرّهما حيّين كانا أو ميّتين، وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك فافعل، فإنّ ذلك من الإيمان.
قلت لأبي عبد الله (ع): إنّ أبي قد كبر جدّاً وضعف، فنحن نحمله إذا أراد الحاجة، فقال: إن استطعت أن تلي ذلك منه فافعل، ولقّمه بيدك، فإنّه جُنّةٌ لك غداً.
خبّرتُ أبا عبد الله (ع) ببرّ إسماعيل ابني بي، فقال: لقد كنتُ أحبّه وقد ازددتُ له حبّاً؛ إنّ رسول الله (ص) أتته أختٌ له من الرضاعة، فلمّا نظر إليها سُرّ بها، وبسط ملحفته لها فأجلسها عليها، ثمّ أقبل يحدّثها ويضحك في وجهها، ثمّ قامت فذهبت، وجاء أخوها فلم يصنع به ما صنع بها، فقيل له: يا رسول الله، صنعت بأخته ما لم تصنع به وهو رجل؟! فقال: لأنّها كانت أبرّ بوالديها منه.
أتى رجلٌ رسول الله (ص) فقال: يا رسول الله، إنّي راغبٌ في الجهاد نشيط. فقال له النبيّ (ص): فجاهد في سبيل الله، فإنّك إن تُقتل تكن حيّاً عند الله تُرزق، وإن تمت فقد وقع أجرك على الله، وإن رجعت رجعت من الذنوب كما وُلدت. قال: يا رسول الله، إنّ لي والدين كبيرين يزعمان أنّهما يأنسان بي ويكرهان خروجي! فقال رسول الله (ص): فقرّ مع والديك، فوالذي نفسي بيده لأُنسهما بك يوماً وليلةً خيرٌ من جهاد سنة.
قلت لأبي جعفر (ع): هل يجزي الولدُ والدَه؟ فقال: ليس له جزاءٌ إلّا في خصلتين: يكون الوالد مملوكاً فيشتريه ابنه فيعتقه، أو يكون عليه دينٌ فيقضيه عنه.
النظر إلى العالم عبادة، والنظر إلى الإمام المقسط عبادة، والنظر إلى الوالدين برأفةٍ ورحمةٍ عبادة، والنظر إلى الأخ تودّه في الله عزّ وجلّ عبادة.
ما من ولدٍ بارٍّ ينظر إلى أبويه برحمةٍ إلّا كان له بكلّ نظرةٍ حجّةٌ مبرورة. فقالوا: يا رسول الله، وإن نظر في كلّ يومٍ مائة نظرة؟ قال: نعم، الله أكبر وأطيب.
رحم الله امرءاً أعان والده على برّه، رحم الله والداً أعان ولده على برّه، رحم الله جاراً أعان جاره على برّه، رحم الله رفيقاً أعان رفيقه على برّه، رحم الله خليطاً أعان خليطه على برّه، رحم الله رجلاً أعان سلطانه على برّه.
برّ الوالدين المخالفَين
البرّ بهما وإن خالفا في الدين، والمداراة
قلت لأبي الحسن الرضا (ع): أدعو لوالديّ إذا كانا لا يعرفان الحقّ؟ قال: ادعُ لهما وتصدّق عنهما، وإن كانا حيّين لا يعرفان الحقّ فدارهما، فإنّ رسول الله (ص) قال: إنّ الله بعثني بالرحمة لا بالعقوق.
سمعت رجلاً يقول لأبي عبد الله (ع): إنّ لي أبوين مخالفين؟ فقال: برّهما كما تبرّ المسلمين ممّن يتولّانا.
كنت نصرانيّاً فأسلمت وحججت، فدخلت على أبي عبد الله (ع) … فقلت: إنّ أبي وأمّي على النصرانية وأهل بيتي، وأمّي مكفوفة البصر، فأكون معهم وآكل في آنيتهم؟ فقال: يأكلون لحم الخنزير؟ فقلت: لا، ولا يمسّونه. فقال: لا بأس، فانظر أمّك فبرّها، فإذا ماتت فلا تكلها إلى غيرك، كن أنت الذي تقوم بشأنها … فلمّا قدمت الكوفة ألطفتُ لأمّي، وكنت أطعمها، وأفلّي ثوبها ورأسها، وأخدمها، فقالت لي: يا بنيّ، ما كنت تصنع بي هذا وأنت على ديني، فما الذي أرى منك منذ هاجرت فدخلت في الحنيفية؟ فقلت: رجلٌ من ولد نبيّنا أمرني بهذا. فقالت: هذا الرجل هو نبيّ؟ فقلت: لا، ولكنّه ابن نبيّ. فقالت: يا بنيّ، هذا نبيّ، إنّ هذه وصايا الأنبياء. فقلت: يا أمّه، إنّه ليس يكون بعد نبيّنا نبيّ، ولكنّه ابنه. فقالت: يا بنيّ، دينك خير دين، اعرضه عليّ. فعرضته عليها، فدخلت في الإسلام … فأقرّت به وماتت.
كتب صهرٌ لي إلى أبي جعفر الثاني (ع): أنّ أبي ناصبٌ خبيث الرأي، وقد لقيت منه شدّةً وجهداً، فرأيك جُعلت فداك في الدعاء لي، وما ترى جُعلت فداك؟ أفترى أن أكاشفه أم أداريه؟ فكتب: قد فهمت كتابك وما ذكرت من أمر أبيك، ولستُ أدع الدعاء لك إن شاء الله، والمداراة خيرٌ لك من المكاشفة، ومع العسر يسر، فاصبر إنّ العاقبة للمتّقين، ثبّتك الله على ولاية من تولّيت، نحن وأنتم في وديعة الله التي لا يضيع ودائعه. قال بكر: فعطف الله بقلب أبيه حتى صار لا يخالفه في شيء.
البرّ بعد الموت
لا ينقطع البرّ بموت الوالدين
ما يمنع الرجل منكم أن يبرّ والديه حيّين أو ميّتين؛ يصلّي عنهما، ويتصدّق عنهما، ويحجّ عنهما، ويصوم عنهما، فيكون الذي صنع لهما، وله مثل ذلك، فيزيده الله عزّ وجلّ ببرّه وصلاته خيراً كثيراً.
إنّ العبد ليكون بارّاً بوالديه في حياتهما، ثمّ يموتان فلا يقضي عنهما دينهما ولا يستغفر لهما، فيكتبه الله عزّ وجلّ عاقّاً، وإنّه ليكون عاقّاً لهما في حياتهما غير بارٍّ بهما، فإذا ماتا قضى دينهما واستغفر لهما، فيكتبه الله عزّ وجلّ بارّاً.
العقوق وعاقبته
أدناه «أفّ»، وصاحبه لا يجد ريح الجنّة
أدنى العقوق «أفّ»، ولو علم الله عزّ وجلّ شيئاً أهون منه لنهى عنه.
مَن نظر إلى أبويه نظر ماقتٍ وهما ظالمان له، لم يقبل الله له صلاة.
إنّ أبي نظر إلى رجلٍ ومعه ابنه يمشي، والابن متّكئٌ على ذراع الأب، قال: فما كلّمه أبي مقتاً له حتى فارق الدنيا.
إذا كان يوم القيامة كُشف غطاءٌ من أغطية الجنّة، فوجد ريحها مَن كانت له روحٌ من مسيرة خمسمائة عام، إلّا صنفاً واحداً. قلت: مَن هم؟ قال: العاقّ لوالديه.
إيّاكم وعقوق الوالدين، فإنّ ريح الجنّة توجد من مسيرة ألف عام، ولا يجدها عاقّ، ولا قاطع رحم، ولا شيخٌ زانٍ، ولا جارٌّ إزاره خيلاء، إنّما الكبرياء لله ربّ العالمين.
ثلاثةٌ من الذنوب تُعجَّل عقوبتها ولا تُؤخَّر إلى الآخرة: عقوق الوالدين، والبغي على الناس، وكفر الإحسان.
ثلاث دعواتٍ لا يُحجبن عن الله تعالى: دعاء الوالد لولده إذا برّه، ودعوته عليه إذا عقّه، ودعاء المظلوم على ظالمه، ودعاؤه لمن انتصر له منه، ورجلٌ مؤمنٌ دعا لأخٍ له مؤمنٍ واساه فينا، ودعاؤه عليه إذا لم يواسه مع القدرة عليه واضطرار أخيه إليه.
إنّ رسول الله (ص) حضر شابّاً عند وفاته، فقال له: قل: لا إله إلّا الله، قال: فاعتُقل لسانه مراراً، فقال لامرأةٍ عند رأسه: هل لهذا أمّ؟ قالت: نعم، أنا أمّه. قال: أفساخطةٌ أنتِ عليه؟ قالت: نعم، ما كلّمته منذ ستّ حجج. قال لها: ارضَي عنه. قالت: رضي الله عنه برضاك يا رسول الله. فقال له رسول الله (ص): قل: لا إله إلّا الله، فقالها. فقال النبيّ (ص): ما ترى؟ فقال: أرى رجلاً أسود قبيح المنظر، وسخ الثياب، منتن الريح، قد وليني الساعة فأخذ بكظمي. فقال له النبيّ (ص): قل: «يا من يقبل اليسير ويعفو عن الكثير، اقبل منّي اليسير واعفُ عنّي الكثير، إنّك أنت الغفور الرحيم». فقالها الشابّ، فقال له النبيّ (ص): انظر ما ترى؟ قال: أرى رجلاً أبيض اللون، حسن الوجه، طيّب الريح، حسن الثياب، قد وليني، وأرى الأسود قد تولّى عنّي. قال: أعِد، فأعاد. قال: ما ترى؟ قال: لستُ أرى الأسود، وأرى الأبيض قد وليني. ثمّ طفا على تلك الحال.
لا توجد روايات بهذه التصفية. اختر مصدراً آخر أو «كل الأبواب».