إنّ الله عزّ وجلّ يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، قال: هو الدعاء، وأفضل العبادة الدعاء. قلت: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾؟ قال: الأوّاه هو الدَّعّاء.
فضل الدعاء ومنزلته
الدعاء هو العبادة، وأحبّ ما يُتقرّب به إلى الله
إنّ الدعاء هو العبادة؛ إنّ الله عزّ وجلّ يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، وقال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾.
قلت لأبي جعفر (ع): أيّ العبادة أفضل؟ فقال: ما من شيءٍ أفضل عند الله عزّ وجلّ من أن يُسأل ويُطلب ممّا عنده، وما أحدٌ أبغض إلى الله عزّ وجلّ ممّن يستكبر عن عبادته ولا يسأل ما عنده.
يا ميسّر، ادعُ ولا تقل: إنّ الأمر قد فُرغ منه؛ إنّ عند الله عزّ وجلّ منزلةً لا تُنال إلّا بمسألة، ولو أنّ عبداً سدّ فاه ولم يسأل لم يُعطَ شيئاً، فسَلْ تُعطَ. يا ميسّر، إنّه ليس من بابٍ يُقرع إلّا يوشك أن يُفتح لصاحبه.
عليكم بالدعاء، فإنّكم لا تقرّبون بمثله، ولا تتركوا صغيرةً لصغرها أن تدعوا بها، إنّ صاحب الصغار هو صاحب الكبار.
مَن لم يسأل الله عزّ وجلّ من فضله افتقر.
ثلاثٌ لا يضرّ معهنّ شيء: الدعاء عند الكربات، والاستغفار عند الذنوب، والشكر عند النعمة.
إنّ الله عزّ وجلّ جعل أرزاق المؤمنين من حيث لم يحتسبوا، وذلك أنّ العبد إذا لم يعرف وجه رزقه كثر دعاؤه.
أربعٌ للمرء لا عليه: الإيمان والشكر، فإنّ الله تعالى يقول: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾، والاستغفار، فإنّه قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، والدعاء، فإنّه قال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾.
إنّ أعجز الناس مَن عجز عن الدعاء، وإنّ أبخل الناس مَن بخل بالسلام.
سلاح المؤمن
الدعاء جُنّة المؤمن ومفتاح نجاحه
الدعاءُ سلاحُ المؤمن، وعمودُ الدين، ونورُ السماوات والأرض.
ألا أدلّكم على سلاحٍ يُنجيكم من أعدائكم، ويُدِرّ أرزاقكم؟ قالوا: بلى، قال: تدعون ربّكم بالليل والنهار، فإنّ سلاح المؤمن الدعاء.
الدعاءُ مفاتيحُ النجاح، ومقاليدُ الفلاح، وخيرُ الدعاء ما صدر عن صدرٍ نقيّ وقلبٍ تقيّ، وفي المناجاة سببُ النجاة، وبالإخلاص يكون الخلاص، فإذا اشتدّ الفزع فإلى الله المفزع.
كان يقول لأصحابه: عليكم بسلاح الأنبياء. فقيل: وما سلاح الأنبياء؟ قال: الدعاء.
الدعاءُ أنفذُ من السِّنان الحديد.
الدعاء يردّ القضاء والبلاء
أثر الدعاء في تغيير المقدَّر ودفع البلاء
إنّ الدعاء يردّ القضاء، ينقضه كما يُنقض السِّلك وقد أُبرم إبراماً.
ألا أدلّك على شيءٍ لم يستثنِ فيه رسول الله (ص)؟ قلت: بلى. قال: الدعاء يردّ القضاء وقد أُبرم إبراماً، وضمّ أصابعه.
عليكم بالدعاء، فإنّ الدعاء لله والطلب إلى الله يردّ البلاء وقد قُدِّر وقُضي ولم يبقَ إلّا إمضاؤه، فإذا دُعي الله عزّ وجلّ وسُئل صرفَ البلاء صَرَفه.
الدعاء يردّ القضاء بعدما أُبرم إبراماً، فأكثر من الدعاء، فإنّه مفتاحُ كلّ رحمة، ونجاحُ كلّ حاجة، ولا يُنال ما عند الله عزّ وجلّ إلّا بالدعاء، وإنّه ليس بابٌ يكثر قرعُه إلّا يوشك أن يُفتح لصاحبه.
عليك بالدعاء، فإنّه شفاءٌ من كلّ داء.
ما من أحدٍ ابتُلي وإن عظمت بلواه أحقَّ بالدعاء من المعافى الذي لا يأمن البلاء.
آداب الدعاء
التقدّم في الرخاء، والإقبال، والإلحاح، وترك القنوط
مَن تقدّم في الدعاء استُجيب له إذا نزل به البلاء، وقالت الملائكة: صوتٌ معروف، ولم يُحجب عن السماء. ومَن لم يتقدّم في الدعاء لم يُستجب له إذا نزل به البلاء، وقالت الملائكة: إنّ ذا الصوت لا نعرفه.
مَن سرّه أن يُستجاب له في الشدّة فليُكثر الدعاء في الرخاء.
ما من بلاءٍ ينزل على عبدٍ مؤمن فيُلهمه الله عزّ وجلّ الدعاء إلّا كان كشفُ ذلك البلاء وشيكاً، وما من بلاءٍ ينزل على عبدٍ مؤمن فيُمسك عن الدعاء إلّا كان ذلك البلاء طويلاً، فإذا نزل البلاء فعليكم بالدعاء والتضرّع إلى الله عزّ وجلّ.
إنّ الله عزّ وجلّ لا يستجيب دعاءً بظهر قلبٍ ساهٍ، فإذا دعوتَ فأقبِل بقلبك، ثمّ استيقن بالإجابة.
والله، لا يُلحّ عبدٌ مؤمنٌ على الله في حاجته إلّا قضاها له.
قلت: إنّي قد سألت الله حاجةً منذ كذا وكذا سنة، وقد دخل قلبي من إبطائها شيء. فقال: يا أحمد، إيّاك والشيطان أن يكون له عليك سبيلٌ حتى يُقنطك… أليس الله يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾… فكن بالله أوثق منك بغيره.
لا يزال المؤمن بخيرٍ ورجاءِ رحمةٍ من الله عزّ وجلّ ما لم يستعجل فيقنط ويترك الدعاء. قلت: كيف يستعجل؟ قال: يقول: قد دعوت منذ كذا وكذا وما أرى الإجابة.
سألته عن قول الله عزّ وجلّ: ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾، قال: الاستكانة هي الخضوع، والتضرّع رفع اليدين والتضرّع بهما.
لا يزال الدعاء محجوباً عن السماء حتى يُصلّى على محمد وآل محمد.
ما من رجلٍ دعا فختم دعاءه بقول: ما شاء الله لا قوّة إلّا بالله، إلّا أُجيب صاحبه.
ما من أحدٍ ابتُلي، وإن عظمت بلواه، بأحقّ بالدعاء من المعافى الذي لا يأمن البلاء.
في حديث إبراهيم الخليل (ع) مع العابد الذي احتُبست دعوته ثلاث سنين، قال له إبراهيم (ع): … إنّ الله عزّ وجلّ إذا أحبّ عبداً احتبس دعوته ليناجيه ويسأله ويطلب إليه، وإذا أبغض عبداً عجّل له دعوته، أو ألقى في قلبه اليأس منها.
ثواب الدعاء ومواطن إجابته
مَن لا تُردّ دعوته، والأوقات التي لا يُحجب فيها الدعاء
اغتنموا الدعاء عند خمسة مواطن: عند قراءة القرآن، وعند الأذان، وعند نزول الغيث، وعند التقاء الصفّين للشهادة، وعند دعوة المظلوم، فإنّها ليس لها حجابٌ دون العرش.
ثلاثة أوقاتٍ لا يُحجب فيها الدعاء عن الله تعالى: في أثر المكتوبة، وعند نزول القطر، وظهور آيةٍ معجزةٍ لله في أرضه.
مَن أدّى فريضةً فله عند الله دعوةٌ مستجابة.
عليكم بالدعاء والإلحاح على الله عزّ وجلّ في الساعة التي لا يُخيّب الله عزّ وجلّ فيها برّاً ولا فاجراً. قلت: جُعلت فداك، وأيّة ساعةٍ هي؟ قال: هي الساعة التي دعا فيها أيّوب (ع) وشكا إلى الله عزّ وجلّ بليّته فكشف الله عزّ وجلّ ما به من ضرّ، ودعا فيها يعقوب (ع) فردّ الله عليه يوسف وكشف كربته، ودعا فيها محمد (ص) فكشف الله عزّ وجلّ كربه ومكّنه من أكتاف المشركين بعد اليأس. أنا ضامنٌ أن لا يُخيّب الله عزّ وجلّ في ذلك الوقت برّاً ولا فاجراً؛ البرّ يُستجاب له في نفسه وغيره، والفاجر يُستجاب له في غيره، ويصرف الله إجابته إلى وليٍّ من أوليائه، فاغتنموا الدعاء في ذلك الوقت.
أربعةٌ لا تُردّ لهم دعوة، وتُفتح لها أبواب السماء، وتصير إلى العرش: دعاء الوالد لولده، والمظلوم على مَن ظلمه، والمعتمر حتى يرجع، والصائم حتى يُفطر.
أربعةٌ لا تُردّ لهم دعوة: الإمام العادل لرعيّته، والأخ لأخيه بظهر الغيب، يوكّل الله به ملكاً يقول له: ولك مثل ما دعوت لأخيك، والوالد لولده، والمظلوم، يقول الربّ عزّ وجلّ: وعزّتي وجلالي لأنتقمنّ لك ولو بعد حين.
إذا أراد أحدكم أن لا يسأل الله شيئاً إلّا أعطاه، فلييأس من الناس كلّهم، ولا يكون له رجاءٌ إلّا من الله عزّ وجلّ، فإنّه إذا علم الله تعالى ذلك من قلبه لم يسأل الله شيئاً إلّا أعطاه.
يا جابر، مَن ذا الذي سأل الله فلم يُعطه، أو توكّل عليه فلم يكفه، أو وثق به فلم يُنجه؟
ما فُتح لأحدٍ باب دعاءٍ إلّا فتح الله له فيه باب إجابة، فإذا فُتح لأحدكم باب دعاءٍ فليجهد، فإنّ الله عزّ وجلّ لا يملّ حتى تملّوا.
ما من صباحٍ إلّا وملكان يناديان يقولان: يا باغي الخير هلمّ، ويا باغي الشرّ انتهِ. هل من داعٍ فيُستجاب له؟ هل من مستغفرٍ فيُغفر له؟ هل من تائبٍ فيُتاب عليه؟ هل من مغمومٍ فيُنفَّس عنه غمّه؟ اللهمّ عجّل للمنفق ماله خلفاً، وللممسك تلفاً. فهذا دعاؤهما حتى تغرب الشمس.
الدعاء للإخوان بظهر الغيب
ثواب الدعاء للمؤمنين، وتقديمهم على النفس
دعاء الرجل لأخيه بظهر الغيب يُدِرّ الرزق، ويدفع المكروه.
الدعاء لأخيك بظهر الغيب يسوق إلى الداعي الرزق، ويصرف عنه البلاء، ويقول الملك: ولك مثل ذلك.
رأيت عبد الله بن جندب بالموقف، فلم أرَ موقفاً أحسن من موقفه، ما زال مادّاً يديه إلى السماء ودموعه تسيل على خدّيه حتى تبلغ الأرض. فلمّا صدر الناس قلت له: يا أبا محمد، ما رأيت موقفاً أحسن من موقفك! قال: والله ما دعوت إلّا لإخواني، وذلك أنّ أبا الحسن موسى بن جعفر (ع) أخبرني أنّه مَن دعا لأخيه بظهر الغيب نُودي من العرش: ولك مائة ألف ضعف، فكرهت أن أدع مائة ألف ضعفٍ مضمونة لواحدةٍ لا أدري يُستجاب أم لا.
مَن قدّم في دعائه أربعين من المؤمنين ثمّ دعا لنفسه استُجيب له.
مَن قال كلّ يومٍ خمساً وعشرين مرّة: اللهمّ اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، كتب الله له بعدد كلّ مؤمنٍ مضى، وبعدد كلّ مؤمنٍ بقي إلى يوم القيامة، حسنة، ومحا عنه سيّئة، ورفع له درجة.
مَن قضى لأخيه المؤمن حاجةً كان كمن عبد الله دهراً، ومَن دعا لمؤمنٍ بظهر الغيب قال الملك: فلك بمثل ذلك. وما من عبدٍ مؤمنٍ دعا للمؤمنين والمؤمنات بظهر الغيب إلّا ردّ الله عزّ وجلّ مثل الذي دعا لهم من مؤمنٍ أو مؤمنةٍ مضى من أوّل الدهر أو هو آتٍ إلى يوم القيامة. وإنّ العبد المؤمن ليُؤمر به إلى النار، يكون من أهل المعصية والخطايا، فيُسحب، فيقول المؤمنون والمؤمنات: إلهنا، عبدك هذا كان يدعو لنا فشفّعنا فيه، فيُشفّعهم الله عزّ وجلّ فيه، فينجو من النار برحمةٍ من الله عزّ وجلّ.
القنوت
الدعاء في قيام الركعة الثانية من الصلاة
القنوتُ في كلّ صلاةٍ في الركعة الثانية قبل الركوع.
القنوتُ في الجمعة والعشاء والعتمة والوتر والغداة، فمَن ترك القنوتَ رغبةً عنه فلا صلاةَ له.
سألت أبا جعفر (ع) عن القنوت في الصلوات الخمس جميعاً، فقال: اقنُت فيهنّ جميعاً. قال: فسألت أبا عبد الله (ع) بعد ذلك فقال: أمّا ما جهرتَ فيه فلا تشكّ.
القنوتُ في كلّ ركعتين من التطوّع أو الفريضة.
أطولُكم قنوتاً في دار الدنيا أطولُكم راحةً يوم القيامة في الموقف.
لا توجد روايات بهذه التصفية. اختر مصدراً آخر أو «كل الأبواب».