أربعٌ مَن كُنّ فيه لم يهلك على الله بعدهنّ إلّا هالك: يهمّ العبد بالحسنة فيعملها، فإن هو لم يعملها كتب الله له حسنةً بحسن نيّته، وإن هو عملها كتب الله له عشراً. ويهمّ بالسيّئة أن يعملها، فإن لم يعملها لم يُكتب عليه شيء، وإن هو عملها أُجّل سبع ساعات، وقال صاحب الحسنات لصاحب السيّئات ـ وهو صاحب الشمال ـ: لا تعجل، عسى أن يتبعها بحسنةٍ تمحوها، فإنّ الله عزّ وجلّ يقول: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، أو الاستغفار، فإن هو قال: أستغفر الله الذي لا إله إلّا هو عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم الغفور الرحيم ذا الجلال والإكرام وأتوب إليه، لم يُكتب عليه شيء، وإن مضت سبع ساعات ولم يتبعها بحسنةٍ واستغفار قال صاحب الحسنات لصاحب السيّئات: اكتب على الشقيّ المحروم.
سعة الرحمة والعفو
رحمته وسعت كلّ شيء: الحسنة بعشر، والسيّئة لا تُكتب بالهمّ
إنّ آدم (ع) قال: يا ربّ، سلّطت عليّ الشيطان وأجريته منّي مجرى الدم، فاجعل لي شيئاً. فقال: يا آدم، جعلت لك أنّ مَن همّ من ذرّيتك بسيّئةٍ لم تُكتب عليه، فإن عملها كُتبت عليه سيّئة، ومَن همّ منهم بحسنةٍ فإن لم يعملها كُتبت له حسنة، فإن هو عملها كُتبت له عشراً. قال: يا ربّ زدني. قال: جعلت لك أنّ مَن عمل منهم سيّئةً ثمّ استغفر له غفرت له. قال: يا ربّ زدني. قال: جعلت لهم التوبة ـ أو قال: بسطت لهم التوبة ـ حتى تبلغ النفس هذه. قال: يا ربّ حسبي.
إنّ المؤمن ليهمّ بالحسنة ولا يعمل بها فتُكتب له حسنة، وإن هو عملها كُتبت له عشر حسنات، وإنّ المؤمن ليهمّ بالسيّئة أن يعملها فلا يعملها فلا تُكتب عليه.
إذا كان يوم القيامة نشر الله تبارك وتعالى رحمته حتى يطمع إبليس في رحمته.
إنّ رجلاً قال يوماً: والله لا يغفر الله لفلان. قال الله عزّ وجلّ: مَن ذا الذي تألّى عليّ أن لا أغفر لفلان؟ فإنّي قد غفرت لفلان، وأحبطت عمل المتألّي بقوله: لا يغفر الله لفلان.
إذا دخل أهل الجنّة الجنّة بأعمالهم، فأين عُتقاء الله من النار؟
قال الرضا (ع) في قول الله عزّ وجلّ: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾، قال: إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم، وإن أسأتم فلها ربٌّ يغفر لها.
إذا كان يوم القيامة تجلّى الله عزّ وجلّ لعبده المؤمن، فيوقفه على ذنوبه ذنباً ذنباً، ثمّ يغفر الله له، لا يُطلع الله على ذلك ملكاً مقرّباً ولا نبيّاً مرسلاً، ويستر عليه ما يكره أن يقف عليه أحد، ثمّ يقول لسيّئاته: كوني حسنات.
إنّ لله عزّ وجلّ عموداً من ياقوتٍ أحمر، رأسه تحت العرش وأسفله على ظهر الحوت في الأرض السابعة السفلى، فإذا قال العبد: لا إله إلّا الله، اهتزّ العرش، وتحرّك العمود، وتحرّك الحوت، فيقول الله عزّ وجلّ: اسكن يا عرشي. فيقول: يا ربّ، كيف أسكن وأنت لم تغفر لقائلها؟ فيقول الله تبارك وتعالى: اشهدوا سكّان سماواتي أنّي قد غفرت لقائلها.
قال الله تبارك وتعالى: يا ابن آدم، لا يغرّنّك ذنب الناس عن ذنبك، ولا نعمة الناس عن نعمة الله عليك، ولا تقنّط الناس من رحمة الله وأنت ترجوها لنفسك.
الفقيه كلّ الفقيه مَن لم يقنّط الناس من رحمة الله، ولم يؤيسهم من روح الله.
قتل القنوطُ صاحبه.
فرح الله بتوبة عبده
يحبّ التوّابين، ويستر عليهم، ويقبلهم ما لم يعاينوا الموت
إنّ الله تعالى أشدّ فرحاً بتوبة عبده من رجلٍ أضلّ راحلته وزاده في ليلةٍ ظلماء فوجدها، فالله أشدّ فرحاً بتوبة عبده من ذلك الرجل براحلته حين وجدها.
إذا تاب العبد ﴿تَوْبَةً نَصُوحاً﴾ أحبّه الله فستر عليه في الدنيا والآخرة. فقلت: وكيف يستر عليه؟ قال: يُنسي ملكيه ما كتبا عليه من الذنوب، ويوحي إلى جوارحه: اكتمي عليه ذنوبه، ويوحي إلى بقاع الأرض: اكتمي ما كان يعمل عليك من الذنوب، فيلقى الله حين يلقاه وليس شيءٌ يشهد عليه بشيءٍ من الذنوب.
يا محمد بن مسلم، ذنوب المؤمن إذا تاب منها مغفورةٌ له، فليعمل المؤمن لما يستأنف بعد التوبة والمغفرة، أما والله إنّها ليست إلّا لأهل الإيمان. قلت: فإن عاد بعد التوبة والاستغفار من الذنوب وعاد في التوبة؟ فقال: يا محمد بن مسلم، أترى العبد المؤمن يندم على ذنبه ويستغفر منه ويتوب ثمّ لا يقبل الله توبته؟! قلت: فإنّه فعل ذلك مراراً، يذنب ثمّ يتوب ويستغفر الله؟ فقال: كلّما عاد المؤمن بالاستغفار والتوبة عاد الله عليه بالمغفرة، وإنّ الله غفورٌ رحيم، يقبل التوبة ويعفو عن السيّئات، فإيّاك أن تقنّط المؤمنين من رحمة الله.
قلت لأبي عبد الله (ع): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً﴾، قال: هو الذنب الذي لا يعود فيه أبداً. قلت: وأيّنا لم يعد؟ فقال: يا أبا محمد، إنّ الله يحبّ من عباده المفتَّن التوّاب.
إنّ الله عزّ وجلّ أعطى التائبين ثلاث خصال، لو أعطى خصلةً منها جميع أهل السماوات والأرض لنجوا بها: قوله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ فمن أحبّه الله لم يعذّبه. وقوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ ... رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ إلى قوله: ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. وقوله عزّ وجلّ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ ...﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾.
مرّ عيسى بن مريم (ع) على قومٍ يبكون، فقال: على ما يبكي هؤلاء؟ فقيل: يبكون على ذنوبهم. قال: فليدعوها يُغفر لهم.
التائب من الذنب كمن لا ذنب له، والمقيم على الذنب وهو مستغفرٌ منه كالمستهزئ.
مَن تاب قبل موته بسنةٍ قبل الله توبته. ثمّ قال: إنّ السنة لكثيرة، مَن تاب قبل موته بشهرٍ قبل الله توبته. ثمّ قال: إنّ الشهر لكثير، مَن تاب قبل موته بجمعةٍ قبل الله توبته. ثمّ قال: إنّ الجمعة لكثير، مَن تاب قبل موته بيومٍ قبل الله توبته. ثمّ قال: إنّ يوماً لكثير، مَن تاب قبل أن يعاين قبل الله توبته.
مَثَل المؤمن عند الله عزّ وجلّ كمَثَل ملكٍ مقرّب، وإنّ المؤمن عند الله أعظم من ذلك، وليس شيءٌ أحبّ إلى الله من مؤمنٍ تائب أو مؤمنةٍ تائبة.
الاستغفار وإمهال المذنب
يُمهَل المؤمن بعد الذنب، ويُذكَّر به ليستغفر فيُغفر له
مَن عمل سيّئةً أُجّل فيها سبع ساعاتٍ من النهار، فإن قال: أستغفر الله الذي لا إله إلّا هو الحيّ القيّوم، ثلاث مرّات، لم تُكتب عليه.
إنّ المؤمن ليذنب الذنب فيذكر بعد عشرين سنة، فيستغفر الله منه فيغفر له، وإنّما يذكره ليغفر له، وإنّ الكافر ليذنب الذنب فينساه من ساعته.
ما من مؤمنٍ يقارف في يومه وليلته أربعين كبيرة، فيقول وهو نادم: أستغفر الله الذي لا إله إلّا هو الحيّ القيّوم، بديع السماوات والأرض، ذو الجلال والإكرام، وأسأله أن يصلّي على محمّدٍ وآل محمّد، وأن يتوب عليّ، إلّا غفرها الله عزّ وجلّ له، ولا خير فيمن يقارف في يومٍ أكثر من أربعين كبيرة.
الذنوب الداء، والدواء الاستغفار، والشفاء أن لا تعود.
عجبت لمن يقنط ومعه النجاة، وهو الاستغفار.
مَن أُعطي الاستغفار لم يُحرم المغفرة. مَن أُعطي التوبة لم يُحرم القبول.
حسن الظنّ بالله
الله عند ظنّ عبده المؤمن، ويستحيي أن يُخلف رجاءه
وجدنا في كتاب علي (ع) أنّ رسول الله (ص) قال وهو على منبره: والذي لا إله إلّا هو، ما أُعطي مؤمنٌ قطّ خير الدنيا والآخرة إلّا بحسن ظنّه بالله ورجائه له، وحسن خلقه، والكفّ عن اغتياب المؤمنين. والذي لا إله إلّا هو، لا يعذّب الله مؤمناً بعد التوبة والاستغفار إلّا بسوء ظنّه بالله، وتقصيره من رجائه، وسوء خلقه، واغتيابه للمؤمنين. والذي لا إله إلّا هو، لا يحسن ظنّ عبدٍ مؤمنٍ بالله إلّا كان الله عند ظنّ عبده المؤمن، لأنّ الله كريمٌ بيده الخيرات، يستحيي أن يكون عبده المؤمن قد أحسن به الظنّ ثمّ يُخلف ظنّه ورجاءه، فأحسنوا بالله الظنّ وارغبوا إليه.
أحسن الظنّ بالله، فإنّ الله عزّ وجلّ يقول: أنا عند ظنّ عبدي المؤمن بي، إن خيراً فخيراً، وإن شرّاً فشرّاً.
قال الله تبارك وتعالى: لا يتّكل العاملون على أعمالهم التي يعملونها لثوابي، فإنّهم لو اجتهدوا وأتعبوا أنفسهم أعمارهم في عبادتي كانوا مقصّرين غير بالغين في عبادتهم كُنه عبادتي فيما يطلبون عندي من كرامتي والنعيم في جنّاتي ورفيع الدرجات العُلى في جواري، ولكن برحمتي فليثقوا، وفضلي فليرجوا، وإلى حسن الظنّ بي فليطمئنّوا، فإنّ رحمتي عند ذلك تدركهم، ومنّي يبلغهم رضواني، ومغفرتي تُلبسهم عفوي، فإنّي أنا الله الرحمن الرحيم، وبذلك تسمّيت.
حسن الظنّ بالله أن لا ترجو إلّا الله، ولا تخاف إلّا ذنبك.
لا يموتنّ أحدكم حتى يُحسن ظنّه بالله عزّ وجلّ، فإنّ حسن الظنّ بالله عزّ وجلّ ثمن الجنّة.
حسن الظنّ أن تُخلص العمل، وترجو من الله أن يعفو عن الزلل.
حسن ظنّ العبد بالله سبحانه على قدر رجائه له.
بين الخوف والرجاء
الرجاء الصادق يبعث على العمل، ولا يُجرّئ على المعصية
قلت له: ما كان في وصيّة لقمان؟ قال: كان فيها الأعاجيب، وكان أعجب ما كان فيها أن قال لابنه: خف الله عزّ وجلّ خيفةً لو جئته ببرّ الثقلين لعذّبك، وارجُ الله رجاءً لو جئته بذنوب الثقلين لرحمك. ثمّ قال أبو عبد الله (ع): كان أبي يقول: إنّه ليس من عبدٍ مؤمنٍ إلّا وفي قلبه نوران: نور خيفة، ونور رجاء، لو وُزن هذا لم يزد على هذا، ولو وُزن هذا لم يزد على هذا.
ارجُ الله رجاءً لا يجرّئك عن معاصيه، وخف الله خوفاً لا يؤيسك من رحمته.
قلت له: قومٌ يعملون بالمعاصي ويقولون: نرجو، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم الموت. فقال: هؤلاء قومٌ يترجّحون في الأماني، كذبوا، ليسوا براجين، إنّ مَن رجا شيئاً طلبه، ومَن خاف من شيءٍ هرب منه.
لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يكون خائفاً راجياً، ولا يكون خائفاً راجياً حتى يكون عاملاً لما يخاف ويرجو.
خف ربّك وارجُ رحمته، يؤمنك ممّا تخاف، ويُنلك ما رجوت.
الرجاء لرحمة الله أنجح.
لو لم يرغّب الله سبحانه في طاعته لوجب أن يُطاع رجاء رحمته.
العالم كلّ العالم مَن لم يمنع العباد الرجاء لرحمة الله، ولم يؤمنهم مكر الله.
لا توجد روايات بهذه التصفية. اختر مصدراً آخر أو «كل الأبواب».